عدنان زرزور

61

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

بالأقلام ، فكلا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه . قال الأستاذ العلّامة الدكتور محمد عبد اللّه دراز - رحمه اللّه - : « وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد ، وأعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا . . . فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب ، المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة . ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر » . قال الدكتور دراز : « وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها اللّه في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيّها بقي القرآن محفوظا في حرز حريز ، إنجازا لوعد اللّه الذي تكفّل بحفظه حيث يقول : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ سورة الحجر ، الآية 9 ] . ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند ، حيث لم يتكفل اللّه بحفظها ، بل وكلها إلى حفظ الناس . فقال تعالى : وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [ سورة المائدة ، الآية 44 ] أي بما طلب إليهم حفظه . والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد ، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها ، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة ، زائدا عليها بما شاء اللّه زيادته ، وكان سادا مسدّها ولم يكن شيء منها ليسد مسدّه ، فقضى اللّه أن يبقى حجة إلى قيام الساعة ، وإذا قضى اللّه أمرا يسّر له أسبابه ، وهو الحكيم العليم » « 1 » . ونشير أخيرا إلى ما ذكره بعض العلماء من معاني « الذّكر » الذي سمى اللّه تعالى به كتابه الكريم في آيات كثيرة .

--> ( 1 ) النبأ العظيم 8 - 9 .